أبي حيان الأندلسي

71

البحر المحيط في التفسير

إلى بيته فلم يجد فيه شيئا ذهب بهم إلى بيوت قراباته فتحرج أهل الأعذار من ذلك فنزلت . وقيل : كانت العرب ومن بالمدينة قبل البعث تجتنب الأكل مع أهل هذه الأعذار فبعضهم تقذرا لمكان جولان يد الأعمى ، ولانبساط الجلسة مع الأعرج ، ولرائحة المريض وهي أخلاق جاهلية وكبر . فنزلت واستبعد هذا لأنه لو كان هذا السبب لكان التركيب ليس عليكم حرج أن تأكلوا معهم ولم يكن لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وأجاب بعضهم : بأن عَلَى في معنى أي في مواكلة الأعمى وهذا بعيد جدا . وفي كتاب الزهراوي عن ابن عباس أن أهل هذه الأعذار تحرجوا في الأكل مع الناس من أجل عذرهم فنزلت . وعلى هذه الأقوال كلها يكون نفي الحرج عن أهل العذر ومن بعدهم في المطاعم . وقال الحسن وعبد الرحمن بن زيد الحرج المنفي عن أهل العذر هو في القعود عن الجهاد وغيره مما رخص لهم فيه ، والحرج المنفي عمن بعدهم في الأكل مما ذكر وهو مقطوع مما قبله إذ متعلق الحرجين مختلف . وإن كان قد اجتمعا في انتفاء الحرج . وهذا القول هو الظاهر . ولم يذكر بيوت الأولاد اكتفاء بذكر بيوتكم لأن ولد الرجل بعضه وحكمه حكم نفسه ، وبيته بيته . وفي الحديث « إن أطيب ما يأكل المرء من كسبه وإن ولده من كسبه » . ومعنى مِنْ بُيُوتِكُمْ . من البيوت التي فيها أزواجكم وعيالكم ، والولد أقرب من عدد من القرابات فإذا كان سبب الرخصة هو القرابة كان الذي هو أقرب منهم أولى . وقرأ طلحة إمهاتكم بكسر الهمزة . أَوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ . قال ابن عباس : هو وكيل الرجل أن يتناول من التمر ويشرب من اللبن . وقال قتادة : العبد لأن ماله لك . وقال مجاهد والضحاك : خزائن بيوتكم إذا ملكتم مفاتيحها . وقال ابن جرير : الزمنى ملكوا التصرف في البيوت التي سلمت إليهم مفاتيحها . وقيل : ولي اليتيم يتناول من ماله بقدر ما قال تعالى وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ « 1 » ومفاتحه بيده . وقرأ الجمهور مَلَكْتُمْ بفتح الميم واللام خفيفة . وقرأ ابن جبير بضم الميم وكسر اللام مشددة ، والجمهور مَفاتِحَهُ جمع مفتح وابن جبير مفاتيحه جمع مفتاح ، وقتادة وهارون عن أبي عمرو مفتاحه مفردا . أَوْ صَدِيقِكُمْ قرئ بكسر الصاد اتباعا لحركة الدال حكاه حميد الخزاز ، قرن اللّه الصديق بالقرابة المحضة . قيل لبعضهم : من أحب إليك أخوك أم صديقك ؟ فقال : لا أحب أخي إلّا إذا كان صديقي . وقال معمر : قلت لقتادة ألا أشرب من هذا الحب ؟ قال : أنت لي صديق فما هذا الاستئذان . وقال ابن عباس :

--> ( 1 ) سورة النساء : 4 / 6 .